السيد كمال الحيدري
165
شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث)
نسبة الواجب إلى الفعل بالوجوب لا يعني الجبر السبب الذي أدّى بالمتكلّمين إلى تعريف القدرة مطلقاً بأنّها « ما يصحّ معه الفعل والترك » هو توهّمهم : بأنّ الوجوب والضرورة يساوقان الجبر ، فإذا كانت نسبة الواجب إلى فعله بالوجوب ، يلزم أن يكون الواجب تعالى مجبوراً على فعله ؛ لأنّ معنى وجوب الفعل هو سلب الاختيار منه تعالى ، وحيث إنّ الجبر لايصحّ عليه تعالى ، لذا قالوا : بأنّ نسبة الفعل إلى الواجب تعالى بالإمكان لا بالوجوب ، ولذا عرّفوا القدرة بالتعريف المتقدّم خوفاً من هذا المحذور . وقد أجاب الفلاسفة على ذلك - كما تقدّم في الفصل الخامس من المرحلة الرابعة - بأنّ الضرورة والوجوب لا يعني أن يكون الواجب تعالى مجبوراً وغير قادرٍ على ترك الفعل ، لأنّ هذا الوجوب والضرورة ليس وجوباً عليه تعالى وإنّما وجوبٌ عنه ، وهو لاحقٌ بالفعل من قِبله تعالى ، وليس وجوباً بفعل عاملٍ خارجيّ وإنّما وجوبٌ نابعٌ من ذات الواجب تعالى . ولا يخفى أنّ الواجب تعالى - على مبنى المشّائين - يكون علّةً تامّةً قريبةً للصادر الأوّل ، وعلّةً تامّةً بعيدةً لما سواه ، أمّا على مبنى صدر المتألّهين فهو تعالى علّةٌ قريبةٌ لجميع الموجودات ، وإن كان بعضها لا يمكن اجتماع وجوده الممتدّ لمكان سيلانه وتدرّجه . إن قيل : إنّ المؤثّر الذي يوجب على الله تعالى الفعل هو نفس الفعل الصادر منه تعالى . الجواب : يستحيل أن يكون الفعل الصادر منه تعالى مؤثّراً عليه ، لأنّ هذا الفعل أثرٌ له تعالى ، وفعله تعالى الناشئ من إرادته وقدرته يستحيل أن يؤثّر على الواجب ؛ لأنّه يستلزم الدور المحال ؛ لأنّ نفس الفعل متوقّفٌ على فاعله